يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

46

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

وهكذا ترجم أبو عيسى الترمذي عليه باب ما جاء في كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في السمر ، وأدخل في الباب هذا الحديث يعني حديث أم زرع وحديث خرافة . ثم قال : وهذا كله ما لم يكن دائما متصلا ، وإنما يكون في النادر والأحيان كما قال ساعة بعد ساعة ، وإما أن يكون ذلك عادة الرجل حتى يعرف بذلك ويتخذه ديدنا ويطرف به الناس ويضحكهم دائما ، فذلك مذموم غير محمود دال على سقوط المروءة ورذالة الهمة ، وقد عدّ هذا الفنّ الفقهاء فيما يقدح في عدالة الشاهد . قال : وفيه من الفقه جواز المدح في بعض الأحايين وإباحة الدعابة مع الأهل وبسط الوجه واللسان مع جميع الناس بالكلام الحلو السهل ، فهو من حسن العشرة . وقد كان عليه السلام يمزح ولا يقول إلا حقا . ومن أحسن ما قيل في المزح قول أبي الفتح البستي : أفد طبعك المكدود بالجدّ راحة * تجم وعلله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن * بمقدار ما تعطي الطعام من الملح وكان ابن الماجشون ينشد : إنما للناس منا * حسن خلق ومزاح ولنا ما كان فينا * من فساد وصلاح ولغيره : مازح أخاك إذا أراد مزاحا * فإذا أباه فلا تزده جماحا فلربما مزح الصديق بمزحة * كانت لكل عداوة مفتاحا وأنشدني الحافظ لنفسه : المزح حقا رأس كل قطيعة * والمزح منقصة تشين فظيعه فاتركه فهو يشين من يعتاده * واهجره فهو إلى الفراق ذريعة وقال غيره : إذا طال عمر المرء في غير آفة * أفادت له الأيام في كرها عقلا فإياك إياك المزاح فإنه * يجرّي عليك الطفل والدنس النذلا ويذهب ماء الوجه بعد بهائه * ويورث بعد العز صاحبه ذلّا ولي من شعر لزومي : قل كيف يرجو فلاحا * من كان خصما فلاحا فاتركه واترك مزاحا * واجعله عنك مزاحا